السيد محمد البحر، رئيس مجلس الأمناء

السادة أعضاء مجلس الإدارة

بروفيسور وليد بوحمرة، رئيس الجامعة

د. كريستين سوبوليك، مديرة جامعة ميزوري سانت – لويس

سعادة السفراء

أولياء الأمور الأعزاء

السيدات والسادة، وأعزائنا الخريجين والخريجات

مساء الخير

 

 

أتوجه بالشكر لجامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا لدعوتها الكريمة لألقي كلمة اليوم في حضرة نخبة متميزة من التربويين والطلبة ممن يتمتعون بذكاء شديد وهمة كبيرة.  إنه لشرف كبير أن أكون معكم هنا اليوم.

حين سألت زوجتي “مارغريت” عما يجب أن أتحدث عنه في كلمتي الافتتاحية لحفل التخرج، أجابت قائلة “هلال، يمكنك التحدث عن أي شيء تريد، فقط تذكر ألا تطل الحديث!”.

اعتلت الدهشة وجه أحفادي الذين كانوا يحيطون بمارغريت وقتها، ولكنهم ألهموني بما سأقصه عليكم اليوم، وهو- على وجه الخصوص – حكايات خيالية. أعتقد أنكم كخريجين كنتم تتوقعون بعض النصائح حول الانتقال لمرحلة جديدة في الحياة ستقدمون عليها قريبا. فكيف للحكايات الخيالية أن تمدكم بالنصح والإرشاد الذي تطلبونه؟ سأخبركم. إن الحكايات الخيالية ليست مجرد حكايات. إنها حكايات لديها من القوة ما يكشف لنا عن حقائق مؤكدة عن الحياة والطبيعة الإنسانية.

فعلى سبيل المثال، استمتع الكثير منا بفيلم ديزني حول قصة بيضاء الثلج (سنو وايت) والأقزام السبعة. ولكن تختلف القصة الحقيقية عن هذا الفيلم، فهي أقدم بكثير وأكثر سوداوية في المعنى. في القصة الأصلية – والتي تعود أحداثها للقرن التاسع عشر في ألمانيا – تعاني فتاة رائعة الجمال من تعذيب زوجة أبيها الغيورة. وتم استحضار تلك القصة في أوروبا حين كان عدد وفيات الأمهات الحوامل في ارتفاع، مما آل بالعديد من الأطفال إلى البقاء مع زوجات آبائهم، اللواتي لم تملكن أي رحمة أو شفقة.  لذا فإن تلك القصص تعكس مخاوف الأبناء من قسوة العائلات الجدد. لقد استوحيت تلك القصص من واقع ذلك الزمان. إن الحكاية التي أود أن أقصها عليكم اليوم ليست مشهورة كحكاية “بيضاء الثلج”، ولكنني أرغب في مشاركتكم إياها لأنها الحكاية المفضلة لأحفادي، ولأنها تحمل في طياتها رسالة مهمة عن الحياة.

كان يا ما كان، كان هناك ملك لديه ابنة في غاية الجمال، وكان الملك مهتما بتقدم الفنون والعلوم. وفي يوم ما، أعلن الملك أنه سيمنح نصف المملكة وسيزوج ابنته للرجل الذي سيصنع “أكثر الأشياء عجبا”. ولم يتم تحديد ماهو هذا “الشيء الأكثر عجبا”،  فكان للجميع مطلق الحرية في تقرير هذا الأمر وتفسيره. وكما يمكنكم أن تتخيلوا، ضجت المملكة بأخبار تلك المنافسة.

 

وفي اليوم الموعود، احتضنت المملكة معرضا ضم أكثر الأشياء عجبا وغرابة، حيث استعرض الجميع أفضل ما لديه من أعمال. وتم تعيين القضاة للتحكيم في هذا الأمر، وتراوح القضاة مابين أطفال صغار في الثالثة من العمر وكبار في السن تجاوزا التسعين من عمرهم.

كان هناك الكثير من الأشياء العظيمة، ولكن أجمع الناس كلهم على عمل واحد: ساعة عظيمة صنعها شاب وسيم غلبه الفقر. كانت الساعة عملا استثنائيا، فكلما دقت الساعة تمثلت هيئات كشخصيات حقيقية لتعلن عن الوقت عند مرور كل ساعة. كانت هناك اثنا عشرة عرض للوقت تنوع أداؤه بين الحديث والغناء. وأكد الناس أنهم لم يروا في حياتهم قط ما يماثل تلك الساعة في روعتها وجمالها. لقد كانت أكثر الأشياء عجبا.

وبينما دقت الساعة الأولى، تجلت شخصية النبي موسى يقف فوق الجبل، ويكتب في الألواح “هناك إله حقيقي واحد”. حين دقت الساعة الثانية، تجلى آدم وحواء حين التقيا لأول مرة في الجنة. وظهر ثلاثة ملوك تحيطهم هالة قدسية، محملون بالبخور والهدايا الثمينة، وحين دقت الساعة الثالثة، وحين دقت الساعة الرابعة جاءت الفصول الأربعة – فصل تلو الآخر – يعلنون بالترتيب عن معجزات فصل الربيع فالصيف فالخريف فالشتاء، تصحبهم أنغام جميلة متنوعة تميز كل فصل عن الآخر. وظهرت الحواس الخمسة حين دقت الساعة الخامسة، فتجسدت الرؤية علىشكل رجل يصنع النظارات، وظهر السمع على شكل عازف موسيقي، وظهرت حاسة الشم على هيئة فتاة تحمل الأزهار، وظهر التذوق على هيئة طاه، ثم ظهر الإحساس على هيئة شخص ينوح. وبينما مرت الساعات واحدة تلو الأخرى، كانت العديد من الأشياء المبهرة تظهر للعيان . لقد كان اختراعا عظيما يكشف عن حرفية خارقة. واتفق الناس على أنه “الشيء الأكثر عجبا”. وقد كان صانعه شاب كريم أمين ، يتحلى بالمروءة، فكان ودودا وصديقا للجميع، وكان سندا لأبيه وأمه الفقيرين. لقد كان هذا الشاب – كما أجمع الكل- هو الأكثر استحقاقا للحصول على نصف المملكة والزواج من الأميرة.

 

وفي يوم الإعلان عن الفائز، زينت المدينة بأكملها بالنسيج، واعتلت الأميرة عرشها. تبادل القضاة الغمز مع الرجل الذي وقع الاختيار عليه. حيث كان واقفا تملؤه مشاعر الفخر والسعادة. فقد صنعت ثروته، لأنه صنع الشيء الأكثر عجبا.

 

وبينما كان القضاة على وشك إعلان الفائز، تقدم رجل قوي البنية، طويل القامة، بدا وكأنه مجرما شرسا، ثم صاح قائلا: ” لا. دعوا تلك الجائزة لي. أنا من صنع الشيء الأكثر عجبا”. فهوى بفأسه على ساعة الصانع وصارت جالسة هناك مدمرة بين حطام وركام. قال الرجل المجرم: “أنا من فعل ذلك، فعملي أقوى مما صنع هذا الشاب. لقد أثرت دهشتكم جميعا بضربة فأس واحدة. أنا من صنع أكثر الأشياء عجبا”.

تشاور القضاة فيما بينهم وتهامسوا قائلين: “إن تدمير عمل فني رائع كهذا، أنه أكثر الأشياء عجباً “. وافق شعب المملكة على فوز الرجل المجرم، وتم منح الأخير جائزته: نصف المملكة والأميرة.  فلا شيء يعلو فوق القانون حتى وإن كان من أغرب القوانين.

وكما يخبرنا مؤلف القصة “هانز كريستيان آندرسون”، حل يوم الزفاف. وبينما كانت الأميرة تمشي نحو المذبح، توقفت الموسيقى فجأة. ظهرت شخصيات الساعة مرة أخرى كما لو كان الأمر ضرب من ضروب السحر والخيال، فأتى موسى، ثم آدم وحواء، ثم الملوك الثلاثة، ثم الفصول الأربعة، ثم الحواس الخمسة، وغيرهم. حامت الشخصيات حول الرجل المجرم فأحاطت به، ثم ضربته ونفته من المملكة. تقدمت الشخصيات نحو الملك والأميرة وانحنت لهما، ثم اختفت. لقد حررت الشخصيات الأميرة لتتزوج من الشاب صانع الساعة الذي أحبه الجميع.  واتفق الجميع على أن ذلك أكثر الأشياء عجبا.  وهنا تنتهي القصة.

تلك حكاية خرافية، ولكنها تحمل معان عميقة، فهي تؤكد لنا أننا نستطيع تدمير الأشياء، ولكننا لا نستطيع تدمير الأفكار.

وتحاكي تلك الحكاية واقعنا اليوم. فمن هم المجرمون؟ وما هي الساعة؟

بالنسبة لي، تحاكي شخصيات الساعة القيم الحضارية التي نعتز بها، والتي تتضمن احترام الحقيقة والاحترام المتساوي لكافة البشر، والتعاون الدولي، والتحرر من الألم. وتبرز تلك القيم أهمية المعتقدات والفنون والعلوم وكل ما هو جميل.

 

ومن هم المجرمون؟ إنهم هؤلاء الذين يسعون – من خلال أفعالهم – للقضاء على قيمنا الحضارية. على عكس تلك القصة، فلا يمكننا انتظار قدوم أرواح لتأتي وتحارب الأشرارلإنقاذنا. ولكننا نستطيع احترام القيم والمحافظة عليها، وهو ما يناقض أفعال هؤلاء المجرمين.

وهنا يأتي دوركم كخريجين وخريجات، فأنتم شباب في عالم يشهد أكثر التغيرات حدة في النظام الدولي  الذي قد أسس ركائزالأمن والسلام منذ الحرب العالمية الثانية. يتغير العالم من حولنا بسرعة شديدة لدرجة أننا نشهد تحولات من يوم لآخر.

إنكم تخطون نحو عالم جديد، حيث تلعب أهمية التكنولوجيا المتطورة دورا كبيرا في خلق إبداعات جديدة ومذهلة في عالمنا، فهي تتنوع بين الذكاء الاصطناعي، والعربات ذاتية القيادة، وانترنت الأشياء.  وأحدثت العلاجات الجينية ثورة طبية في مجال علاج مرض السرطان، كما تنوعت مصادر إنتاج الطاقة.

ولكن التكنولوجيا سلاح ذو حدين، فهي تتسبب في انزعاج الكثيرين حول العالم. فيمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون أداة إيجابية حين تلق الضوء على اللحظات الفرحة في حياة الآخرين، ولكنها أيضا قد تكون مصدرا لتعاسة وحزن الكثيرين وإثارة مشاعر الغيرة حين تظهر انعدام المساواة وتسمح بالتنمر.

 

وعلاوة على ذلك، أصبح الناس مهووسين بزيادة أعداد المتابعين على انستغرام بدلا من الاستثمار في علاقاتهم وروابطهم الاجتماعية في الحياة الواقعية.  وأصبحت “اللايكات” وإعادة التغريدات والتعليقات أمر يستحوذ على انتباه الكثيرين بشكل كبير، بينما تعاني تفاعلاتنا الاجتماعية من الفتور الشديد.

وبالنسبة لكم في تلك المرحلة في حياتكم، ترتبط التكنولوجيا ارتباطا وثيقا بخلق فرص العمل في المستقبل، إلا أنها أيضا تدمرتلك الفرص في الوقت ذاته، فالوظائف التي تعتمد على المهارات المتوسطة أصبحت صعبة المنال في هذا الوقت، بينما يزداد الطلب على الوظائف التي تعتمد على المهارات المنخفضة وعالية المستوى بشكل أكبر. وهنا في دولة الكويت، فقد قضينا الأعوام الثماني والخمسون الماضية في خلق طبقة متوسطة شاملة للجميع، ولكن التكنولوجيا تحتم علينا مضاعفة جهودنا لتحقيق هذا الهدف.

 

إن المستقبل أمامكم، وهو محملا بالفرص. ولكنه أيضا محفوف بتهديدات للعالم الذي أصبحنا معتادين عليه الآن. علينا التغير دون أن ندمر ما حولنا. لنتأمل المقولة الشهيرة للكاتب الإيطالي لامبيدوزا في رواية  The Leopard (“ايل غاتو باردو” أو “الفهد”) : “إذا أردنا أن يبقى كل شيء كما هو سيتحتم على الأشياء أن تتغير”.

إنني على يقين بأنكم ستميلون نحو كفة الخير، وأنكم ستحافظون على أفضل ما هو موجود في عالمنا بالرغم من نواقصها وعيوبها. بحد معنى الحكاية. إنني متأكد من أنكم ستنقذون الساعة – أكثر الأشياء عجبا – من الدمار.