يعيد التاريخ نفسه بعد مائه عام حيث يتسبب فيروس كورونا المستجد في شلل بحياة البشر على مستوى العالم، في سيناريو مكرر من  احدث عام  1918 عندما ضرب فيروس قوي الارض وتسبب في وفاة 50 مليون شخص حول العالم واصاب 500 مليون فرد وهو ما يعادل ثلث سكان الكرة الارضية آنذاك، كما تتكرر نفس القصة في أصل الوباء حيث تم رصده أول مرة في الولايات المتحدة في مارس من العام نفسه، وتم ربط مصدره بدولة الصين، على غرار كوفيد-19، بينما سُمي الفيروس بالأنفلونزا الإسبانية لأن الصحافة الإسبانية كانت بين أول من تحدث عن المرض في أوروبا في مايو 1918.

ويقول المؤرخون إن الفيروس انتشر أولا عام 1918، في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، التي اعتبروا أنها مسؤولة بصورة جزئية عن تفشي المرض، حيث كان الجنود على الجبهة الغربية للحرب يعيشون في خنادق ضيقة وقذرة ورطبة، مما أدى إلى إصابة عدد منهم، وبسبب سوء التغذية، وضعف الجهاز المناعي لهم، الأمر الذي جعلهم عرضة لفيروس الإنفلونزا الإسبانية، بحسب ما يقول موقع “لايف سيانس” العلمي.

ومن خندق إلى آخر انتشرت الإنفلونزا، حتى خرجت من النطاق العسكري لتصيب المدنيين، خاصة عندما بدأ الجنود في العودة إلى منازلهم مع توقف القتال، ليتفشى الفيروس في قراهم ومدنهم، ومما ساهم في تفشي الفيروس مقتل الكثير من الأطباء خلال الحرب، التي أودت بحياة الملايين من البشر.

ويتفق المؤرخون على أن الإنفلونزا الإسبانية لم تفرق بين البشر، إذ أصابت الكبار والشباب والمرضى والأصحاء، وكانت شديدة للغاية على الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20-30 عاما، الذين كانوا أصحاء قبل الوباء.

وكانت إسبانيا من أول الدول التي تم فيها تسجيل وفيات بالفيروس، لكن مؤرخين يعتبرون أن الأمر يعود إلى الرقابة العسكرية المفروضة في البلدان الأخرى، وأشاروا إلى أن مدريد كانت محايدة أثناء الحرب ولم تفرض رقابة على صحافتها، لذا ساد الاعتقاد بأنها “الانفلونزا الإسبانية”.

وبدأ الأمر ببرقية إخبارية وصلت إلى وكالة “رويترز” في ربيع 1918، بشأن تفشي مرض غريب ذي طابع وبائي في مدريد، بحسب كتاب “الإنفلونزا الإسبانية” للمؤلف هنري ديفيز.

وفي سيناريو يتكرر بعد مائة عام مع فيروس كورونا فان النصائح التي وجهت حينها من أجل تلافي الإصابة هي الامتناع عن المصافحة وملازم المنازل وارتداء الأقنعة،  حيث كانت أبرز أعراض الإنفلونزا الإسبانية على النحو التالي: في اليوم الأول، صداع رهيب في الرأس، وإعياء في الجسد، ثم سعال جاف وفقدان الشهية، وآلام في المعدة، وفي اليوم الثاني يغرق المصاب بالعرق الذي يفرزه جسده، وتطورت بعض الحالات إلى التهاب رئوي حاد وفشل في الجهاز التنفسي، ويعتبر مؤرخون أن هذين الأمرين المسببين للوفاة، وهي نفس الاعراض مع كرورنا تقريبا.

وكما هو الحال في فيروس كورونا فان مصدره هو الصين حيث  نشرت مجلة “ناشونال جيوغرافيك” العلمية  في عام 2014 نظرية مفادها أن الفيروس ظهر أولا في الصين، ونقلت المجلة حينها عن المؤرخ الكندي، مارك همفريز، قوله إن سجلات قديمة كشف النقاب عنها حديثا تشير إلى أنه جرى نقل 96 ألف عامل صيني للعمل خلف خطوط القوات الفرنسية والبريطانية في الجبهة الغربية، ورجح هذا الباحث أن يكون هؤلاء هم السبب وراء انتشار الفيروس، وقال إن نحو 3 آلاف من هؤلاء أمضوا وقتا في الحجر الصحي بكندا، وبسبب النظرة العنصرية الطاغية في ذاك الزمان، اعتبر الكنديون أن هؤلاء مصابون بمرض “الكسل الصيني”.

وبحسب موقع “هستري” المتخصص في الشؤون التاريخية على الإنترنت، فقد انتهت الإنفلونزا الإسبانية في صيف عام 1919، بعدما مات أولئك الذين أصيبوا بها أو طورا جهاز المناعة لديهم.

ونترك لكم في هذا التحقيق العديد من الصور التي تعبر عن الواقع المرير الذي عاشته البشرية بسبب الانفلونزا الاسبانية:

كتب – سيف الدين منصور