وقع القطاع المصرفي في الكويت في شباك فيروس كورنا، حيث يعيش ازمة حادة، بعد قرار اتحاد مصارف الكويت بعدم توزيع البنوك للأرباح النقدية لمساهمين لعام 2020، حيث استمرت تفاعلات القضية على أكثر من صعيد، لتدخل إلى مجلس الأمة وهو ما يثير التساؤلات حول احتمال أن تكبر كرة الثلج.
وكان اتحاد المصارف قد اعلن عن وقف البنوك الكويتية للتوزيعات النقدية خلال 2020، لتعزيز قدرات القطاع المصرفي للقيام بدور الوساطة المالية وضمان انسياب السيولة واستمرار دوران عجلة العمل في مختلف القطاعات الاقتصادية لحين تجاوز الظروف الحرجة بسبب جائحة (كورونا المستجد – كوفید 19)، ليثير عاصفة من الاستهجان والتساؤلات خاصة بعدما وصلت خسائر القيمة السوقية للبورصة 450 مليون دينار بسبب القرار.

فيما يعدّ قرار عدم توزيع الأرباح منسجماً مع التوجهات الرقابية المتحفظة والتحوطية التي كرّسها محافظ بنك الكويت المركزي محمد الهاشل على مدى السنوات الماضية، وتُرجمت عبر التشدد في تطبيق سياسة تجنيب المخصصات بما فيها تلك الاحترازية.
وقد عادت هذه السياسة لتتكرس في سلم الأولويات منذ تفشي فيروس كورونا وتداعياته على الاقتصاد في ظل الإغلاق التام والتأخر في العودة إلى الحياة وإعادة فتح الاقتصاد، وأعاد الهاشل خلال الفترة القليلة الماضية رسم خريطة طريق تحوطية للعام الحالي تمتد لغاية 2021، وفي هذا السياق، دعا المركزي المصارف إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار مختلف المخاطر الائتمانية والتشغيلية ومخاطر السيولة الناتجة عن تداعيات الفيروس، على أن يكون تعزيز السيولة في مقدم هذه الأولويات، ولاسيما في ظل القرارات المتخذة بتأجيل استحقاقات العملاء المتضررين من الفيروس.

كما إن المصارف مطالبة بزيادة إجراءاتها التحوطية في مواجهة أي حالات تعثر غير محسوبة لدى العملاء قد تحصل خلال العام المقبل، خصوصاً وأن المحافظ عبّر في أكثر من موقف عن مخاوفه من طول أمد الأزمة وعدم القدرة على توقع مدى عمقها.
إلى ذلك، أشارت أوساط مطلعة إلى أن عدم التنسيق بين الجهات المعنية، ترك تداعيات فاقت التبعات الاقتصادية لبيان الاتحاد نفسه، وبدا أن التنسيق المفترض بين اتحاد مصارف الكويت (كمظلة تضم تحت سقفها المصارف المعنية)، والمصارف نفسها غائب أو منقطع في جزئية ما تضمنه بيان الاتحاد من توجه نحو عدم توزيع الأرباح.

وقد تجلى غياب التنسيق هذا، في ما عبّر عنه مصرفان بشكل واضح، هما بيت التمويل الكويتي “بيتك” والبنك التجاري الكويتي، وفي هذا السياق، اكدت مصادر الى أن بيان الاتحاد لم يصدر بمعزل عن تنسيق مسبق بينه وبين بنك الكويت المركزي، وهو ما عبّر عنه الاتحاد صراحة بالإشارة إلى أن هذا القرار جاء في ظل المتابعة المستمرة مع بنك الكويت المركزي في سياق السعي إلى تعزيز متانة القطاع مع تفشي تداعيات فيروس كورونا، وكذلك تماشياً مع متطلبات لجنة بازل”.
كما يواجه قطاع المصارف ضغوطاً ناتجة عن خفض التصنيف الائتماني للدولة، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل ويفرض المزيد من الضغوط على الربحية، فيما ستشكل الظروف المحيطة ضغوطاً على الإيرادات الأساسية ولا سيما الناتجة عن الفوائد نتيجة انخفاض أسعار الفائدة العالمية، غير إن أي توجه للحكومة إلى الاقتراض من الأسواق المالية والذي بات خياراً ملحاً، سيشكل مصدراً لإيرادات إضافية.

وأعادت الأزمة الحالية التأكيد على محورية دور المصارف في النشاط الاقتصادي، ولا سيما مع تشكيل مجلس الوزراء لجنة للتحفيز الاقتصادي برئاسة محافظ البنك المركزي د. محمد يوسف الهاشل.
وستكون المصارف الكويتية تحت تأثير تراجع النمو الاقتصادي نتيجة تداعيات تفشي فيروس كورونا والإغلاق العام وما يعنيه ذلك من أثر على الانفاق الاستهلاكي ونمو الإقراض، كما إن انخفاض أسعار النفط من شأنها أن تؤثر على الإنفاق الرأسمالي وتسرية مشاريع جديدة، ما سيقلص بشكل عام فرص الأعمال أمام المصارف، ويتوقع أن يتراجع النمو الاقتصادي في ظل التطورات الحاصلة إلى 0.8 في المئة.

أما من ناحية النشاط التشغيلي، فمن المتوقع أن يواجه الدخل من الفوائد لدى المصارف الكويتية المزيد من الضغوط، إضافة إلى أثر انخفاض أسعار الفائدة، فإن المصارف تقف أمام عنصرين مهمين، الأول، ناتج عن مبادرة اتحاد مصارف الكويت لتأجيل أقساط الأفراد والشركات الصغيرة والمتوسطة لمدة 6 أشهر وإلغاء الفوائد المترتبة على هذا التأجيل وأي رسوم أخرى، والتي ستفوت على المصارف إيرادات مهمة، والثاني، أن صافي الدخل من الفوائد شهد تراجعاً طفيفاً خلال العام الماضي، إذ بلغ نحو 2.078 مليار دينار بانخفاض 0.2 في المئة، ما يعني أن هذا البند عانى من ضغوط منذ العام 2019.
بدورها، ستكون الإيرادات من غير الفوائد أمام ضغوط أخرى ناتجة عن التراجع المتوقع في النشاطات الاستثمارية ذات الصلة بأعمال المصارف، وكان بند الإيرادات من غير الفوائد استفاد خلال العام الماضي من ترقية بورصة الكويت على مؤشر MSCI، إذ بلغ إجمالي الإيرادات نحو 799.3 مليون دينار بزيادة نحو 14 في المئة.

وتأتي مرحلة كورونا ومن ثم انخفاض أسعار النفط وانكماش الاقتصاد لتزيد القناعة بالنهج المتحفظ المعتمد من قبل بنك الكويت المركزي على مدى السنوات الماضية تجاه سياسة تجنيب المخصصات، ومن شأن الأزمة أن تزيد القناعة بالتوجه المعتمد الذي يلزم المصارف بتطبيق تعليمات المركزي بتجنيب المخصصات متى ما كانت أعلى مقارنة بتلك التي تفرضها المعايير الدولية، ومن بينها على سبيل المثال المعيار الرقم 9 لإعداد التقارير المالية (IFRS9)، كما إن المركزي اعتمد مبدأ المخصصات العامة في مواجهة مخاطر غير متوقعة.

ووفق المعلومات المتوفرة، أعاد “المركزي” منذ أول اجتماع عقده مع رؤساء المصارف خلال الأزمة الحالية التأكيد على هذا التوجه وتجنيب مخصصات إضافية في ظل عدم إمكانية تقدير أمد الأزمة، وحث المحافظ المصارف على المزيد من التحوط وعدم مقارنة أي نتائج قد يسفرها العام الحالي مع ما تحقق خلال العام الماضي، نظراً إلى الظروف الاستثنائية.
وتجدر الإشارة إلى أن إجمالي مخصصات العام الماضي بلغ نحو 677.1 مليون دينار بزيادة نحو 4.7 في المئة مقارنة مع نهاية العام 2018، فيما تقدر نسبة القروض المتعثرة بنحو 1.9 في المئة من الإجمالي، في حين تزيد تغطيتها على 200 في المئة.

إلى ذلك، واكب المركزي الكويتي نظراءه في الخليج لجهة اعتماد المرونة في المعايير الرقابية، ما منح القطاع مساحة إقراضية إضافية بقيمة نحو 5 مليارات دينار (16 مليار دولار)، كما خفض المركزي أوزان مخاطر الائتمان لمحفظة المشاريع الصغيرة والمتوسطة من 75 إلى 25 في المئة لغرض احتساب نسبة كفاية رأس المال، بما يحفز المصارف على تقديم المزيد من التمويل للقطاع.
ووسع المركزي دائرة إجراءاته عبر تأجيل إعلان المصارف عن نتائجها المالية عن الربع الأول على أن يجري تضمينها ضمن نتائج النصف الأول، كما أجل تلقيه تقارير فحص عمليات التمويل الشخصي للأغراض الاستهلاكية والإسكانية عن الربع الأول، وكانت هذه المبادرات بدأت مع حظر بنك الكويت المركزي على المصارف بيع الضمانات المرهونة لديها أو التنفيذ عليها مقابل القروض وعمليات التمويل الممنوحة للعملاء.

وكانت المصارف الكويتية قد دخلت العام الحالي، وقبل بدء تداعيات أزمة كورونا وأسعار النفط، محملة بسيولة مرتفعة تبلغ نحو 20 مليار دينار (63.5 مليار دولار)، وذلك استناداً إلى البيانات المالية للمصارف المدرجة عن العام 2019، إذ يبلغ إجمالي الودائع نحو 71 مليار دينار (234 مليار دولار أميركي) في حين أن إجمالي القروض بلغ 51 مليار دينار، وتسمح هذه المستويات من السيولة للمصارف باللجوء إليها في مواجهة أي ظروف استثنائية مستقبلية قد تنتج عن إطالة أمد الأزمة أو تسجيل أسعار النفط المزيد من التراجعات، وأثر ذلك على الاقتصاد المحلي إلى جانب أي تطورات تعمق الركود المتوقع في الاقتصاد العالمي، كما انه من شأن هذه العوامل أن تؤثر على نمو أعمال القطاع المصرفي وتفرض المزيد من الضغوط على هوامش الربحية ولا سيما مع انخفاض الفوائد العالمية والمحلية إلى مستويات قد تكون غير صحية على المدى المتوسط.

على الرغم من أن مشروع قانون الدين ما زال في مرحلة التجاذب السياسي، غير إن توجه الكويت إلى الاقتراض من الأسواق الدولية والمحلية قد يوفر فرصاً ائتمانية مهمة للمصارف كافة، بما يعوض جزءاً من التراجع المتوقع في نمو الائتمان من الأفراد والشركات الناتج عن الإقفال العام، علماً أن نمو الائتمان استقر عند 4.3 في المئة في نهاية العام الماضي، كما إن المصارف التي تملك أذرعاً استثمارية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في المساهمة في إدارة وتسويق أي إصدار بما يمكنها من تحقيق دخل من العمولات والأتعاب.

من جهة أخرى، شكل خفض المصاريف واحداً من أبرز التوجهات لدى المصارف الكويتية في ظل انتشار الفيروس مع السعي إلى توظيف نفقات التشغيل بكفاءة مع توجيهها نحو دعم الأنظمة والعمليات بشكل خاص.
ومن المتوقع أن يكون بند الموظفين والمزايا المخصصة للقياديين على رأس أولويات خفض النفقات، وتظهر ميزانيات المصارف عن العام الماضي أن إجمالي تكاليف الموظفين بلغ نحو 615.3 مليون دينار (1.9 مليار دولار) بزيادة بنحو 6.5 في المئة مقارنة مع نهاية العام 2018، ويشكل هذا البند، نحو 57.6 في المئة من إجمالي المصاريف التشغيلية للمصارف والبالغة نحو 1.06 مليار دينار.

في المقابل، تقدر مزايا القياديين في القطاع بنحو 50 مليون دينار تشكل نحو 5 في المئة من إجمالي أرباح القطاع عن العام الماضي والبالغة نحو 980.6 مليون دينار.
وفي السياق نفسه، فإن خطط خفض النفقات تترك نتائجها على الخطط التوسعية للمصارف الكويتية التي كانت مهتمة في هذا المجال على مدى السنوات الماضية، وتجلت أخيراً في رفع بنك بوبيان مساهمته في بنك لندن والشرق الأوسط في بريطانيا، فيما كان البنك الأهلي الكويتي يستحوذ على Bank & Clients في السوق نفسها.

كذلك، من المتوقع أن تضفي الأزمة المزيد من الزخم على الخدمات الرقمية، ولا سيما لجهة تعميق توجه العملاء نحو إتمام خدماتهم المصرفية عبر المنصات الالكترونية المختلفة، ما يشجع المصارف على زيادة وتيرة استثماراتها في هذه القنوات على حساب التوسع في شبكة الفروع التقليدية والذي بقي محوراً مهماً في اهتمامات المصارف، خصوصاً في المناطق السكنية.

 كتب – سيف الدين منصور