لا شك أن البشرية على أبواب ثورة جديدة ستغير شكل حياة البشر، ثورة عمادها الذكاء الاصطناعي، وثورة شاملة على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية وغيرها، لأن تطبيقاته تتفرع وتتزايد بصورة لا يمكن استيعابها وحصرها، فهى تكاد تدخل فى المجالات الإنسانية كافة.

ولكي نفهم ما هو تأثير الذكاء الاصطناعي على حياتنا اليومية وما هو مستقبل البشر في ظل الثورة الرقمية الحادثة حاليا، لابد لنا من معرفة ما معنى مصطلح الذكاء الاصطناعي، حيث يعرف بانه أحد فروع علوم الكمبيوتر المعنية بكيفية محاكاة الآلات لسلوك البشر.

وكان اول من قدم تعريف شامل له هو جون مكارثي بوضع المصطلح (الذكاء الاصطناعي) فى عام 1956، معرفا إياه بأنه علم هندسة إنشاء آلات ذكية، وبصورة خاصة برامج الكمبيوتر، فهو “علم إنشاء أجهزة وبرامج كمبيوتر قادرة على التفكير بالطريقة نفسها التى يعمل بها الدماغ البشرى، وتتعلم مثلما نتعلم، وتقرر كما نقرر، وتتصرف كما نتصرف”.

وبأبسط العبارات، يشير مصطلح الذكاء الاصطناعي (AI) إلى الأنظمة أو الأجهزة التي تحاكي الذكاء البشري لأداء المهام والتي يمكنها أن تحسن من نفسها استنادا إلى المعلومات التي تجمعها.

كما إنه يتعلق بالقدرة على التفكير الفائق وتحليل البيانات أكثر من تعلقه بشكل معين أو وظيفة معينة، وأصبح مصطلحا شاملا للتطبيقات التي تؤدي مهام معقدة كانت تتطلب في الماضي إدخالات بشرية.

وتم تقسيم أنواع الذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة أنواع رئيسة تبدأ من رد الفعل البسيط وصولا إلى الإدراك والتفاعل الذاتي، وذلك على النحو التالي:

  1.  الذكاء الاصطناعي الضيق أو الضعيف Narrow AI or Weak AI: هو من أبسط أشكال الذكاء الاصطناعي، وتتم برمجته للقيام بوظائف معينة داخل بيئة محددة، ويعتبر تصرفه بمنزلة ردة فعل على موقف معين، ولا يمكن له العمل إلا في ظروف البيئة الخاصة به، مثلا: “الروبوت ديب بلو”، الذي ابتكرته شركة IBM، وقام بلعب الشطرنج مع بطل العالم غاري كاسباروف وهزمه.
  2.  الذكاء الاصطناعي القوي أو العام General AI or Strong AI: يمتاز بالقدرة على جمْع المعلومات وتحليلها وعلى مراكمة الخبرات من المواقف التي يكتسبها، والتي تؤهله لأن يتخذ قرارات مستقلة وذكية، مثل روبوتات الدردشة الفورية، والسيارات ذاتية القيادة.
  3.  الذكاء الاصطناعي الخارق Super AI: لا زالت أنواع الذكاء هذه قيد التجارب وتسعى إلى محاكاة الإنسان، ويمكن التمييز بين نمطين أساسيين منها: الأول يحاول فهم الأفكار البشرية، والانفعالات التي تؤثر في سلوك البشر، ويملك قدرة محدودة على التفاعل الاجتماعي، والثاني هو نموذج لنظرية العقل، حيث تستطيع هذه النماذج التعبير عن حالتها الداخلية، وأن تتنبأ بمشاعر الآخرين ومواقفهم وأن تتفاعل معها، إنها الجيل المقبل من الآلات فائقة الذكاء.

السؤال الجوهري الأهم

ولمعرفة تاثير الذكاء الاصطناعي على الحياة اليومية للبشر طرحت مجموعة “بيو إنترنت” الامريكية في صيف 2018 على مجموعة من الخبراء السؤال التالي: “رجاء، فكروا في السنوات المقبلة حتى عام 2030، ما دام المحللون يتوقعون أنّ يصبح الناس أكثر اعتماداً على شبكات الذكاء الصناعي في الأنظمة الرقمية المركّبة. ويعتبر البعض أننا كبشر سنواظب على تطوير حياتنا بناء على النتائج الإيجابية بينما نستخدم هذه الأدوات الشبكية على نطاق واسع، في حين يرى آخرون أن اعتمادنا المتزايد على الذكاء الصناعي والأنظمة المرتبطة به سيؤدي غالبا إلى نشوء مصاعب شائعة.

والسؤال الجوهري: هل تعتقدون أن تعزيز الذكاء الصناعي المتقدم والأنظمة التقنية المرتبطة به للقدرات البشرية وتمكينها من تلك القدرات، هو الاحتمال الأكبر لما سنراه بحلول عام 2030؟ هل سيكون الناس أفضل حالا مما هم عليه اليوم؟ أم أن الذكاء الصناعي والتقنيات المرتبطة به ستضعف استقلالية البشر وقوتهم إلى درجة أن حالهم سيكون أسوأ مما هو عليه اليوم؟”.

بشكل عام، وعلى الرغم من الجوانب السلبية التي يهابها الخبراء، صرّح 63% من المشاركين في هذه المبادرة بأنهم يأملون أنّ يكون حال معظم الناس أفضل عام 2030، مقابل 37% قالوا إنهم يعتقدون العكس، ولفت عدد من رواد الفكر الذين شاركوا في هذا الاستطلاع إلى أن الاعتماد المتزايد للبشر على الأنظمة التقنية لن يسير على ما يرام إلا في حال تمّت مراقبة هندسة وتوزيع وتحديث هذه الأدوات والمنصات والشبكات عن قرب.

سعادة البشرية أو دمارها

وأحدثت الثورة التى سيُحدثها الذكاء الاصطناعى جدلا كبيرا، ولاسيّما أن هذه الثورة أكبر من قدرة البشر على استيعابها حاليا، وقد انقسمت آراء الخبراء حول الذكاء الاصطناعي إلى قسمين رئيسين: قسم رأى أنه يحسن حياة الأفراد ويجعلها أكثر سهولة، كما صرح «مارك زوكربيرغ» رئيس ومؤسس موقع الفيسبوك.

أما القسم الآخر فعبر عن مخاوفه من التداعيات السلبية للذكاء الاصطناعى على حياة البشر، وغالى أصحاب هذا الرأى فى تشاؤمهم إلى حد الذى جعل رئيس ومؤسس شركات “نسلا وسباس أكس” و”ايلون موسك” يتنبأ بأنه سيؤدى فى نهاية الأمر إلى نشوب حرب عالمية، فى حين ذهب عالم الفيزياء الكبير ستيفن هوكينغ إلى القول إن تطوير ذكاء اصطناعي كامل قد يمهد لنهاية الجنس البشري، ما يعني بحسب هذين الموقفين المتناقضين: إما سعادة البشرية أو دمارها.

لم يقتصر القلق على شركات التكنولوجيا والخبراء والعلماء، بل طاول قادة الدول والسياسيين، عندما أكد الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أن “الذكاء الاصطناعى هو المستقبل ليس بالنسبة إلى روسيا فحسب، بل بالنسبة إلى الإنسانية بأسرها… هناك إمكانيّات ضخمة ولكنْ هناك أيضا مخاطر عديدة اليوم… والذى سيصبح قائدا فى هذا المجال سيكون الحاكم فى العالم”،غير أن بوتين نبه

وحذر فى الوقت ذاته من مخاطر الذكاء الاصطناعى، لكونه ثورة تكنولوجيّة لها مميزاتها، بقدر ما لها تهديداتها.

ويعتبر الخبراء أن تصاعد الذكاء الصناعي سيحسن أوضاع غالبية الناس في العقد المقبل، ولكن كثيرين يعبرون في المقابل، عن مخاوفهم من تأثير تطورات الذكاء الصناعي على معنى الانتماء إلى الجنس البشري، ومعنى أن يكون الإنسان منتجا ويتمتع بالإرادة الحرة، حيث ان الحياة الرقمية تضاعف قدرات البشر ولكنها أيضا تعيق نشاطات يمارسونها منذ الأزل.

إلا أن معظم الخبراء المشاركين، المتفائلين منهم وغير المتفائلين، عبروا عن مخاوفهم من تأثير هذه الأدوات على العوامل الأساسية للطبيعة البشرية على المدى البعيد، وكان قد تم الطلب من جميع المشاركين في هذه المبادرة شرح السبب الذي يدفعهم إلى الاعتقاد بأن الذكاء الصناعي سيحسن أوضاع البشر أم سيؤدي إلى تراجعها، وتشارك كثيرون في مخاوفهم، بينما قدم آخرون مقترحات لمسارات لبعض الحلول.

بدورها توقعت سونيا كاتيال، المديرة المساعدة في مركز “بيركلي للقانون والتقنية” وعضوة مجلس مستشاري الاقتصاد الرقمي بوزارة التجارة الأميركية، أنه “في عام 2030، تتمحور المجموعة الكبرى من الأسئلة حول كيفية تأثير فهم الذكاء الصناعي وتطبيقاته على مسار الحقوق المدنية في المستقبل، كما أننا سنكون على موعد مع الكثير من الأسئلة حول الخصوصية والخطاب وحق التجمع والبناء التقني للتشخص، التي تطرح من جديد في سياق الذكاء الصناعي وتدفعنا بدورها إلى طرح أسئلة إضافية في عمق معتقداتنا حول المساواة وتوفر الفرص للجميع، أما تحديد هوية المستفيدين والمتضررين في هذا العالم الجديد فيعتمد على مدى التوسع في تحليلنا لهذه الأسئلة اليوم لأجل المستقبل”. المهم: علينا أن نعمل بجد لنتأكد من أن هذه التقنية لن تتعارض مع قيمنا.

بينما راى إريك براينجولفسن، مدير “مبادرة الاقتصاد الرقمي” في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: “إن تقنيات الذكاء الصناعي تقوم الآن بتأدية أعمال (سوبرمان) أي فوق بشرية في عدد من المجالات، وأتوقع تحسنها بحلول عام 2030”.

فيما قال برايان جونسون مؤسس شركة “كيرنيل” المطورة لواجهات التفاعل بالشبكات العصبية، إنه يعتقد بقوة أن النجاح سيعتمد على مدى قدرة النظم الذكية على تغيير الأنظمة الاقتصادية بشكل يدفع إلى تحسين حياة الإنسان.

من جانبها حذرت مارينا غوربيس، مديرة “معهد المستقبل”، من أنه “من دون تغييرات ملموسة في الاقتصاد السياسي لدينا وفي أطر التحكم بالبيانات، فإن تطور الذكاء الصناعي سيخلق فجوة من عدم المساواة، و ازديادا في عمليات مراقبة الناس، وفي تفاعل النظم فيما بينها متجاوزة الإنسان”.

5 بنود ستغير العالم في 50 عام:

قدم الخبراء روشتة من خمسة بنود حول الطرق التي يستطيع الذكاء الاصطناعي من خلالها تغيير العالم في 50 سنة، وهي:

  •  الطب: يستطيع الذكاء الاصطناعي منحك العلاج المناسب لـ “الجينوم الوراثي” الخاص بك.
  •  روبوتات الرعاية: أصبحت هذه الروبوتات بالفعل جزءا من حياة بعض الأشخاص، وتساعد في كل شيء انطلاقا من إعداد وجبات الطعام وصولا إلى الأنظمة الصحية.
  •  النقل: سيتعجب أحفادك من قصصك حول كيفية استخدامك قدميك ويديك ودماغك للتنقل في كل مكان، لأن جميع المركبات ستصبح ذاتية القيادة وأكثر أمانا.
  •  في المنزل: الروبوتات الخدم ستساعدك على غسل الأطباق الخاصة بك، وتنظيف النوافذ وجز العشب والاعتناء بأطفالك.
  •  الحرب: ستزداد الحروب عبر الإنترنت، مثلما لاحظنا بالفعل في السنوات الأخيرة، ولكن سيكون هناك أيضا طرق أكثر فتكا وأكثر إخافة وأكثر تكلفة للجيوش التي تقاتل وتقتل بعضها بعضا.

تهديدات الذكاء الاصطناعي

بينما صنفوا عدد من التهديدات التي من الممكن ان تؤثر بشكل سلبي على حياة البشر وهي:

  1. السيطرة على مستقبل البشر واتخاذ القرارات.
  2. سوء استخدام البيانات.
  3. خسارة الوظائف.
  4.  زيادة التبعية.
  5.  الدمار (أسلحة ذاتية، وجريمة سيبرانية، وتحويل المعلومات إلى أسلحة).
  6.  حلول غير شافية.

حلول لتأمين المستقبل

واخيرا طرح عدد من الخبراء عدة حلول لتأمين مستقبل البشر من الذكاء الاصطناعي خاصة في الجانب العلمي، وهي:

  1.  تعزيز التعاون البشري عبر الحدود ومجموعات الأطراف المؤثرة: أي تطوير التعاون الرقمي الهادف إلى خدمة المصالح البشرية بشكل أفضل ووضعه في سقف الأولويات، ولا بد من إيجاد وسائل تمكن الناس حول العالم من التوصل إلى تفاهمات واتفاقات مشتركة.
  2. اعتماد أنظمة مبنية على القيم: تطوير سياسات لضمان توجيه الذكاء الصناعي نحو “الإنسانية” والصالح العام، واعتماد “عقلية إنشاء المشاريع المبتكرة غير الربحية” لبناء شبكات ذكية شاملة لا مركزية “مصبوغة بالتعاطف” مهمتها مساعدة البشر.
  3.  منح الأولوية للأشخاص: تعديل النظم السياسية والاقتصادية لمساعدة البشر بشكل أفضل على “التسابق مع الروبوتات”، وإعادة توجيه الأنظمة الاقتصادية والسياسية نحو توسيع إمكانات وقدرات البشر بهدف زيادة التعاون البشري مع الذكاء الصناعي وضبط الاتجاهات التي قد تؤدي إلى تراجع أهمية البشر في وجه الذكاء المبرمج.

كتب- سيف الدين العمامي: