مسيرة حافلة بالعطاء وزاخرة بالإنجازات، تسجل بأحرف من نور جهودًا بارزة على مدار 65 عاماً قضاها أمير الكويت الراحل سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح في خدمة بلاده ودفاعًا عن قضايا أمته ودعم القضايا الإنسانية منذ توليه أول مسؤولية في 1954، وهو في الـ 25 من عمره.

سبعة عقود من الخير والعطاء والإنسانية؛ تجسد المسيرة المشرفة لصاحب للأمير الراحل قدم خلالها نموذجاً في الإخلاص لوطنه وشعبه والحرص على نهضته ورخائه وتقدمه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وضرب أروع الأمثلة في الأمانة والوفاء والانتماء لقضايا أمته العربية والإسلامية، والعمل على وحدتها واستقرارها وازدهارها، وبصماته المؤثرة في دعم الأمن والسلم الإقليمي والدولي وخدمة الإنسانية.

مولده ونشأته

وُلد في 16 يونيو عام 1929، وتوسم فيه والده الفطنة والذكاء منذ صغر سنه، فأدخله المدرسة المباركية، ومن ثم أوفده إلى بعض الدول لاسيما الأجنبية منها للدراسة واكتساب الخبرات والمهارات السياسية التي ساعدته في ممارسة العمل بالشأن العام.

وكان الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح يرافق والده في رحلاته الخارجية، الأمر الذي ساعده باكتساب خبرة في المسائل السياسية خلال وقت مبكر، وأعطاه دراية بالدول ومعرفة بالمسؤولين وعدد من الأشخاص البارزين من أفراد شعوب تلك الدول، ما كان ذخيرة له في مستقبل حياته عن سلوك الحكام وتقديرهم للأمور.

دخوله في السياسة

بدأ حياته السياسية الأولى وتمرس في العمل العام ولم يكن قد تجاوز الـ25 عاماً من عمره عندما تم تعيينه في 19 يوليو عام 1954 عضوًا في اللجنة التنفيذية العليا التي عهد إليها بمهمة تنظيم مصالح ودوائر الحكومة الرئيسة ووضع خطط عملها ومتابعة تنفيذ تلك الخطط.

وفي عام 1955 تولى منصب رئيس دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل، حيث تولى تنظيم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل، كما أولى اهتمامًا بالفنون وعلى رأسها المسرح، فأنشأ أول مركز لرعاية الفنون الشعبية في الكويت عام 1956، ثم في 1957 أضيفت إلى مهامه رئاسة دائرة المطبوعات والنشر، إذ عمل على إصدار الصحيفة الرسمية للكويت «الكويت اليوم»، وتم إنشاء مطبعة الحكومة لتلبية احتياجاتها من المطبوعات ووقتها تم إصدار مجلة «العربي».

وأبدى أمير الكويت اهتمامًا بارزًا بإحياء التراث العربي وإعادة نشر الكتب والمخطوطات القديمة، وتشكيل لجنة خاصة لمشروع كتابة تاريخ بلاده، وإصدار قانون المطبوعات والنشر الذي كان له دور مميز في تحقيق الصحافة المحلية مكانة مرموقة بين مثيلاتها في الدول العربية.

عميد الدبلوماسيين

بعد استقلال دولة الكويت عام 1961 عُيِّن الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح عضوًا في المجلس التأسيسي الذي عهدت إليه مهمة وضع دستور البلاد، ثم عُيِّن في أول تشكيل وزاري عام 1962 وزيرًا للإرشاد والأنباء، التي تحول اسمها بعد ذلك لوزارة الإعلام، ليكون أول وزير لها في تاريخ الكويت.

وفي 28 يناير 1963، وبعد إجراء أول انتخابات تشريعية لاختيار أعضاء مجلس الأمة عُيِّن الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وزيرًا للخارجية، لتبدأ مسيرته مع العمل السياسي الخارجي والدبلوماسية التي برع فيها ليستحق عن جدارة لقب مهندس السياسة الخارجية الكويتية وعميد الدبلوماسيين في العالم، بعد أن قضى 40 عاماً على رأس تلك الوزارة المهمة قائدًا لسفينتها.

وإبان عمله وزيرًا للخارجية، رفع الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح علم الكويت فوق مبنى الأمم المتحدة بعد قبولها عضوًا فيها في 11 مايو 1963.

وبذل طوال سنوات قيادته لوزارة الخارجية جهدًا كبيرًا في تعزيز وتنمية علاقات الكويت الخارجية مع مختلف دول العالم، كما قام بالعديد من الوساطات التي أسهمت في حل العديد من الأزمات.

وشهدت البلاد نتيجة ذلك استقرارًا في سياستها الخارجية وثباتًا اتضحت ثماره في الثاني من أغسطس عام 1990 عندما وقف العالم أجمع مناصرًا للحق الكويتي في وجه الغزو العراقي، والذي أثمر صدور قرار مجلس الأمن رقم 678 الذي أجاز استخدام كل الوسائل بما فيها العسكرية لتحرير الكويت.

مسؤوليات عديدة

ونظرًا إلى ما يتمتع به من فطنة وذكاء وقدرة فائقة على تحمل المسؤولية، فقد أسندت إليه العديد من المناصب، إضافة إلى منصب وزير الخارجية، حيث عين وزيرًا للإعلام بالوكالة في الفترة من 2 فبراير 1971 وحتى 3 فبراير 1975.

وفي 16 فبراير 1978 عُيِّن نائبًا لرئيس مجلس الوزراء الكويتي، ثم في 4 مارس 1981 تسلم حقيبة الإعلام بالوكالة، إضافة إلى وزارة الخارجية حتى 9 فبراير 1982.

ويوم 3 مارس 1985 عُيِّن نائبًا لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية حتى 18 أكتوبر 1992 عندما تولى منصب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية.

وأسندت إليه مهمة تشكيل الحكومة الكويتية بالنيابة عن ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء آنذاك الأمير الراحل الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح بسبب ظروفه الصحية، وذلك يوم 14 فبراير 2001.

رئاسة الوزراء

في 13 يوليو 2003، صدر مرسوم أميري بتعيين الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح رئيسًا لمجلس الوزراء، ليسجل نجاحًا جديدًا في قيادة دفة السياسة الداخلية، كما نجح على مدار 40 عاماً في قيادة السياسة الخارجية لبلاده.

منذ اللحظات الأولى لتوليه منصب رئاسة الوزراء، حرص الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح على تبني رؤية شاملة وعميقة للتنمية في الكويت تطول مختلف قطاعات الدولة، وعلى رأسها القطاع الاقتصادي، فقام بتشجيع القطاع الخاص وفتح فرص العمل الحر أمام الشباب من خلال دعم المشروعات الصغيرة.

واستمر في مسيرة العطاء رئيسًا للحكومة الكويتية حتى يناير عام 2006، عندما اجتمع مجلس الوزراء واتخذ قرارًا بالإجماع بتزكية الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أميرًا للبلاد، وفقاً للمادة 4  من قانون توارث الإمارة الصادر عام 1964.

تولي مقاليد الحكم

وانطلاقًا من هذا القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء الكويتي، ومبايعة أسرة آل الصباح، عرض الأمر وفقاً للدستور على مجلس الأمة الذي عقد جلستين يوم الأحد 29 يناير 2006، خصصت الأولى لمبايعة أعضاء مجلس الأمة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح – رحمه الله – أميرًا للبلاد، فيما خصصت الجلسة الثانية لتأديته القسم الدستوري بحضور جميع الوزراء، ليصبح أول أمير منذ عام 1965 يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة.

ومنذ ذلك اليوم التاريخي، وعلى مدى 14 عاماً من تولى الشيخ صباح الأحمد مقاليد الحكم شهدت البلاد نهضة تنموية شاملة.

وتم افتتاح مجموعة من المشاريع الضخمة، من أبرزها مدينة صباح الأحمد البحرية التي تعد أول مدينة ينفذها القطاع الخاص كاملاً، ما يدل على تشجيعه على إعطاء دور أكبر للمساهمة في تنمية الكويت وتنشيط عجلة الاقتصاد.

وواصلت الكويت مسيرة النهضة، وتجسد ذلك في مشاريع ضخمة، من أبرزها مستشفى جابر، وميناء مبارك، وجسر جابر، كما تم تطوير العديد من الطرق الرئيسية، وإنشاء شبكة من الجسور، ومشروع مصفاة الزور، ومبنى المطار الجديد، واستاد جابر الرياضي، إضافة إلى تنفيذ المدن الإسكانية الجديدة ومن أبرزها مدينة المطلاع.

أوسمة رفيعة من أبرزها

منح الدكتوراة الفخرية من جامعة الكويت تقديرا لجهوده العظيمة على الصعيدين الانساني و العالمي في 6 مارس 2017.

«وسام جوقة الشرف الأكبر» من الجمهورية الفرنسية في 1 ديسمبر 2006

«الوسام الأعظم من طبقة باث» من ملكة المملكة المتحدة إليزابيث الثانية في 27 نوفمبر 2012

في عام 2014 كرمت الأمم المتحدة، أمير الكويت الراحل في احتفالية رعاها بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة آنذاك، تقديرا لجهوده الإنسانية، وسماه قائد العمل الإنساني.

وسام الاستحقاق العسكري برتبة قائد أعلى هو آخر وسام حصل عليه أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح – رحمه الله – إذ منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسام الاستحقاق العسكري برتبة قائد أعلى لأمير الكويت خلال مراسم في البيت الأبيض .

ووفق خبراء ومراقبين، حافظت الكويت في عهد الشيخ صباح الأحمد على مبدأ الحياد ودعم المبادرات الإنسانية في حل الأزمات في اليمن وسوريا والعراق وليبيا وفلسطين والخليج، كما دعمت المسلمين في مناطق كثيرة في العالم أبرزهم مسلمي الروهينغا في ميانمار.

قضايا الأمتين

وتولت الكويت زمام المبادرات في العمل الخيري الإنساني، واستحقت تكريم الأمم المتحدة لأمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح بتسمية “قائداً للعمل الإنساني”.

ودولة الكويت “مركز للعمل الإنساني”، خصوصاً بعدما استضافت المؤتمر الدولي للمانحين لدعم الوضع الإنساني في سوريا لثلاث دورات متتالية، ونجح سمو الأمير في خلق حشد دولي كبير من تلك المؤتمرات، وتبرع بسخاء لإغاثة اللاجئين السوريين.

وترأس أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح وفد الكويت في المؤتمر الدولي الرابع للمانحين لمساعدة الشعب السوري الذي عقد في لندن عام 2016.

حقوق المرأة

اهتم الشيخ صباح الأحمد الصباح بالمرأة بشكل كبير ومنحها رعاية خاصة منذ كان رئيسا للوزراء، ومسؤولا عن متابعة التعديلات الخاصة بقانون الانتخاب عام 2005، التي منحت المرأة حق الانتخاب، وتمثّل اهتمامه بالمرأة في دعم حصولها على حقوقها السياسية والمدنية والاجتماعية، حيث ساهم في تعيين أول سفيرة في الخارج خلال توليه وزارة الخارجية عام 1993، كما شهدت عدد من الحكومات في عهد وصول المرأة إلى منصب وزير، وكان أخر ما حصلت عليه المرأة في عهده تعيينها قاضية لأول مرة في تاريخ الكويت

ختام المسيرة

وفي يوليو 2020، دخل أمير الكويت الراحل مستشفى في الولايات المتحدة، لإجراء بعض الفحوصات الطبية، وفي 29 سبتمبر 2020، أعلن وفاة الشيخ صباح الأحمد في الولايات المتحدة، عن عمر ناهز 91 عامً

كتب – علاء لبيب