الرفاهية و الوفرة المالية في المجتمع الكويتي منذ أكثر من 60 عاما، و عدد المواطنين البسيط في ذلك الوقت، دعا إلى اتجاه المواطنين إلى الإعمال المكتبية المريحة، و ترك الأعمال اليدوية ذات الأجر الأبسط للعمالة الأجنبية. لكن منذ نحو عشر سنوات و مع ازدياد البطالة بين المواطنين مع زيادة عدد الخريجين بدأ الإقبال يعود على بعض الحرف التي هجرها الكويتيون منذ قرون.

 

و تنوعت الصناعات والحرف والمهن التقليدية في الكويت حتى فاقت المئتي صناعة وحرفة ومهنة كما أنها توزعت على بيئات مختلفة وقطاعات متعددة. و رغم أن العديد من العوائل الكويتية تحمل أسماء مهن قديمة ومعروفة، فلا نجد بين الكويتيين اليوم من يمتهن هذه المهن على ارض الواقع لأسباب اجتماعية واقتصادية ونفسية متعددة ظهر معظمها مع اكتشاف النفط منتصف القرن الماضي. إلا أن هذه المهن و غيرها من الأعمال اليدوية أصبح ينظر لها أنها لا تليق بمستوى المواطنين الاجتماعي. حيث بدأت النظرة المجتمعية للصناعات والحرف التقليدية في التدني شيئا فشيئا لأن المشتغلين فيها غالبا ما كانوا من الأميين أو محدودي القدرة على القراءة والكتابة وكانت صناعاتهم وحرفهم تعتمد إلى حد كبير على الجهد العضلي وإلى حد أقل من الجهد الذهني.

و بعد مرور أكثر من 20 عاما، انتبهت الحكومة إلى نقص العمالة الوطنية الحاد في المهن اليدوية و الزيادة الكبيرة في عدد طلاب الجامعة، و التي أصبحت لا تستوعب الكم الهائل من خريجي الثانوية، و قررت إنشاء الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب في العام 1982. رأت الحكومة الحاجة إلى تغيير واقع المجتمع الرافض لهذه المهن إلا بدرجة بسيطة لا ترقى مع الطموح. إلا أن الأرقام الكبيرة من خريجي التطبيقي التحق معظمه بقطاعات عمل مكتبية لا تتناسب مع طبيعة ما درسوه ميدانيا.

وعند النظر إلى الموضوع من الزاوية الاقتصادية، نجد الأعمال اليدوية والعمل المهني عامة أكثر إدرارا للربح من نظيره المكتبي إن سارت الأمور كما هو مرسوم لها مسبقا. إلا أن الخوف من المغامرة يدفع الشباب للتزاحم على القطاع الحكومي ذي العمل المكتبي القاتل للإبداع بحثا عن الأمان الوظيفي، وإذا ما غامر وقرر خوض تجربة العمل في القطاع الخاص، فان المجال الإداري أو العمل المكتبي هو الخيار الأول، مما لا يحل المشكلة.

إن الاعتماد على العمالة الوافدة في أي بلد لاسيما المحدودة السكان مثل الكويت، لا يشكل أي مشكلة آو عيب، لكن العزوف الجماعي بهذه الطريقة عن المهن اليدوية هو المقلق. ولذا لا مفر من تكاتف الجميع في سبيل تغيير الصورة النمطية السائدة، كي لا نصبح في ورطة في حالة الأزمات. ولا يخفى على احد أن الاستثمار البشري دائما هو المكسب الحقيقي لأي دولة.

رغم الجهود الكبيرة والحملات الموسعة من بعض الجهات الحكومية، وعلى رأسها برنامج إعادة هيكلة القوى العاملة في الدولة، لم يلتحق بالمهن اليدوية في البلاد سوى عدد محدود في الميكانيكا والكهرباء والحلاق. و يجيب الكثير من الشباب عندما تسألهم هل هناك عيب في العمل اليدوي بجملة تبدأ ب‍‍ـ «لا.. ولكن» ثم يبررون أسباب عدم التحاقهم بالعمل اليدوي، وهي بحد ذاتها ظاهرة تستحق الوقوف عندها.

مما لا شك فيه أن الصناعات والحرف التقليدية على مستوى دول العالم تمرّ بمرحلة حرجة بسبب التطور التقني الذي تعيشه معظم تلك الدول وذلك   لتدني أو انعدام الحاجة للعديد من المنتجات التقليدية بسبب تغير نمط ومستلزمات الحياة العصرية ونتيجة لوفرة مثيلاتها المصنعة ميكانيكيا وبأسعار منافسة بل بأسعار متدنية كثيرا عما يمكن صنعه يدويا. هذا التبدل أدى وبشكل واضح لعزوف الكثيرين من العاملين في مجال الصناعات والحرف التقليدية للبحث عن سبل كسب تعود عليهم بما يحتاجون إليه من عوائد مالية أعلى ومكانة اجتماعية أفضل.

كتب – اسٹرابیری لڑکی

المصادر

https://www.startimes.com/

https://www.kuwait-history.net/